الشيخ محمد رشيد رضا

21

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غير سبيل اللّه الذي هو كتابه . فمن تلك السبل المفرقة : إحداث المذاهب والشيع في الدين كما قال ( 6 : 159 إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) ومنها عصبية الجنسية الجاهلية وهي التي نزلت الآية التي نفسرها وما معها فيها لما كان بين الأوس والخزرج ما كان كما تقدم . وورد في النهى عنها أحاديث كثيرة صحاح وحسان ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أبغض الناس إلى اللّه ثلاثة : ملحد في الحرم ، ومبتغ في الاسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه » رواه البخاري من حديث ابن عباس ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس منا من دعا إلى عصبية » رواه أبو داود من حديث جبير بن مطعم . وقد اعتصم في هذا العصر أهل أوروبا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب في الجاهلية ؛ فسرى سم ذلك إلى كثير من متفرنجة المسلمين ، فحاول بعضهم أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية لتعذر الجنسية النسبية . ويوجد في مصر من يدعو إلى هذه العصبية الجاهلية « 1 » مخادعين للناس بأنهم بذلك ينهضون بالوطن ويعلون شأنه ، وليس الأمر كذلك فان حياة الوطن وارتقاءه باتحاد كل المقيمين فيه على إحيائه ، لا في تفرقهم ووقوع العداوة والبغضاء بينهم لا سيما المتحدين منهم في اللغة والدين أو أحدهما . فان هذا من مقدمات الخراب والدمار ، لا من وسائل التقدم والعمران ، فالاسلام يأمر باتحاد واتفاق كل قوم تضمهم أرض وتحكمهم الشريعة على الخير والمصلحة فيها ، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم ، ويأمر مع ذلك باتفاق أوسع ، وهو الاعتصام بحبل اللّه بين جميع الأقوام والأجناس لتتحقق بذلك الاخوة في اللّه ، ولذلك قال بعد الأمر بالاعتصام والاجتماع والنهى عن التفرق : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) يشير إلى ما كان عليه المؤمنون في عصر التنزيل من أخوة الايمان

--> ( 1 ) بينا في المنار فساد هذه الدعوة ومنابذتها للاسلام مرارا كثيرة آخرها ما تقدم في الجزء السادس‌ج 6 م 10 ) في الرد على فريد أفندي وجدى . وفي الجزء السابع بعده في الكلام على جريدة اللواء وصاحبها .